أحمد بن محمد المقري التلمساني
409
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
[ نقض النصارى للعهد ] ثم إن النصارى نكثوا العهد ، ونقضوا الشروط عروة عروة « 1 » ، إلى أن آل الحال لحملهم المسلمين على التنصر سنة أربع وتسعمائة ، بعد أمور وأسباب أعظمها وأقواها عليهم أنهم قالوا : إن القسيسين كتبوا على جميع من كان أسلم من النصارى أن يرجعوا قهرا للكفر ، ففعلوا ذلك ، وتكلم الناس ولا جهد لهم ولا قوة ، ثم تعدوا إلى أمر آخر ، وهو أن يقولوا للرجل المسلم : إن جدك كان نصرانيا فأسلم فترجع نصرانيا ، ولما فحش هذا الأمر قام أهل البيازين على الحكام وقتلوهم ، وهذا كان السبب للتنصر ، قالوا : لأن الحكم خرج من السلطان أن من قام على الحاكم فليس إلا الموت إلا أن يتنصر فينجو من الموت ، وبالجملة فإنهم تنصروا عن آخرهم بادية وحاضرة ، وامتنع قوم من التنصر ، واعتزلوا النصارى « 2 » ، فلم ينفعهم ذلك ، وامتنعت قرى وأماكن كذلك منها بلفيق وأندرش وغيرهما ، فجمع لهم العدو الجموع ، واستأصلهم عن آخرهم قتلا وسبيا ، إلا ما كان من جبل بللنقة فإن اللّه تعالى أعانهم على عدوهم ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة مات فيها صاحب قرطبة ، وأخرجوا على الأمان إلى فاس بعيالهم وما خف من أموالهم دون الذخائر ، ثم بعد هذا كله كان من أظهر التنصر من المسلمين يعبد اللّه في خفية ويصلي ، فشدد عليهم النصارى في البحث ، حتى إنهم أحرقوا منهم كثيرا بسبب ذلك ، ومنعوهم من حمل السكين الصغيرة فضلا عن غيرها من الحديد ، وقاموا في بعض الجبال على النصارى مرارا ولم يقيض اللّه لهم ناصرا « 3 » ، إلى أن كان إخراج النصارى إياهم بهذا العصر القريب أعوام سبعة عشر وألف ، فخرجت ألوف بفاس ، وألوف أخر بتلمسان من وهران ، وجمهورهم خرج بتونس ، فتسلط عليهم الأعراب ومن لا يخشى اللّه تعالى في الطرقات ، ونهبوا أموالهم ، وهذا ببلاد تلمسان وفاس ، ونجا القليل من هذه المضرة « 4 » ، وأما الذين خرجوا بنواحي تونس فسلم أكثرهم ، وهم لهذا العهد عمروا قراها الخالية وبلادها ، وكذلك بتطاون « 5 » وسلا وفيجة « 6 » الجزائر ، ولما استخدم سلطان المغرب الأقصى منهم عسكرا جرارا وسكنوا سلا كان منهم من الجهاد في البحر ما هو مشهور الآن ، وحصنوا قلعة سلا ، وبنوا بها القصور والحمامات والدور « 7 » ، وهم الآن بهذا الحال ، ووصل جماعة إلى
--> ( 1 ) نقضوا الشروط عروة عروة : أي نقضوا الشروط كلها واحدا واحدا . ( 2 ) في ب « واعتزلوا الناس » . ( 3 ) لم يقيض لهم ناصرا : لم يهيئه لهم . ( 4 ) في ب « من هذه المعرة » . ( 5 ) في ب « تبطاوين » وهذه هي المعروفة باسم « تطوان » . ( 6 ) في ب « متيجة » . ( 7 ) في ب « والدور والحمامات » .